مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
29
شرح فصوص الحكم
هم عليه من التقديس والتسبيح ) وثم لبعد مرتبة دعوى التزكية عن التجريح لأن فيه ارتكاب النهي ظاهرا كقوله تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [ النجم : 32 ] بخلاف قولهم : أتجعل فيها وحتى للتجاوز عن الحد وفيه نوع من التشنيع والتوبيخ ( و ) الحال أن ( عند آدم ) كان ( من الأسماء الإلهية ) بيان لقوله ما وهو أي ما فاعل للظرف ( ما لم تكن الملائكة ) مشتملة ( عليها ) ولم يكن تلك الأسماء عند الملائكة يعني ما علمت الملائكة هذه الأسماء التي علمها آدم ( فما سبحت ربها بها ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه ) مع أنهم ظهروا عليه بدعوى التسبيح والتقديس بقولهم : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ [ البقرة : 30 ] فادّعوا ما لم يتحققوا به ولم يكونوا بحال ولا على علم منه وتركوا الأدب مع اللّه فوقعوا في الخجالة بعد انكشاف أحوالهم إليهم لذلك قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا [ البقرة : 32 ] ( فوصف الحق ) فحكي ( لنا ) الحق في القرآن الكريم ( ما جرى ) من أحوال الملائكة وآدم ( لنقف عنده ونتعلم الأدب ) مع اللّه تعالى كيف نقف عند الحق تعالى ونتأدب معه ونهتدي ولا نتجاوز الحد ( فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون ) أي ومشتملون ( عليه ) مع صدقنا في دعوانا قوله ( بالتقييد ) متعلق بلا ندعي ( فكيف أن نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال ولا نحن منه على علم فنفتضح ) لظهور عيوبنا عند انكشاف أحوالنا ( فهذا التعريف الإلهي ) وهو قصة آدم عليه السلام مع الملائكة ومن في قوله : ( مما ) للتبعيض أو للتبيين أي بعض ما ( أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء ) فإن غيرهم لا يتأدب بمثل هذه التعريفات الإلهية وفي إيراده قدس سره هذه القصة في كتابه دلالة على كمال علمه وأدبه مع اللّه عز وجل وحسن خلقه مع الناس وهي أن المؤمنين الذين نازعوا وطعنوا في إظهار المعاني التي لا يعرفها عقل بطريق نظر فكري بمنزلة الملائكة الذين نازعوا وطعنوا في آدم فنفسه قدس سره بمنزلة آدم فكما كان آدم لا يغضب على الملائكة بسبب قولهم في حقه أَ تَجْعَلُ فِيها [ البقرة : 30 ] فكذلك الشيخ لا يغضب على الذين يظنون السوء في حقه لتحققه بقوله تعالى : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ [ آل عمران : 134 ] فكما أن ما قالوه في حق آدم عين مخالفتهم لأمر الحق فكذلك المؤمنون الذين قالوا في حقه من الذم والطعن عين مخالفتهم لأمر الحق لأن إبراز الكتاب لا يكون إلا عن أمر اللّه فمن ظن السوء في حقه ونسب إليه ما لا يليق للمؤمنين أن يتصفوا به يخشى عليه الافتضاح في وقت المعاينة يخبر عنه قوله : فنفتضح . ولما فرغ عما وجب تقديمه من حكاية الملائكة وغيرها شرع في المقصود فقال : ( ثم نرجع ) من القصة ( إلى ) بيان ( الحكمة ) الإلهية ( فنقول اعلم ) قال مولانا قرمي في شرح مفتاح الغيب للشيخ صدر الدين القونوي اعلم تنبيه وإيقاظ لأهل الطلب والترقي على التوجه الكامل والإقبال التام على إصغاء ما يرد بعده بقلب حاضر وإيماء إلى جلالة قدره ( أن الأمور الكلية ) أي الصفات المشتركة بين الحق والعبد التي يتحقق الارتباط بينهما ( وإن لم يكن لها وجود في عينها ) أي وجود خارجي في نفسها ( فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن ) فكانت موجودة